محمد متولي الشعراوي

2873

تفسير الشعراوى

وكلها - الغصب ، والسرقة ، والخطف - هي أخذ لغير الحق . والغصب مأخوذ من أمر حسىّ هو سلخ الجلد عن الشاة . وسمّى أخذ الحق من صاحبه غصبا ، كأنه أخذ للجلد . ونقل المعنى من المحسّات إلى المعنويات . وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق : « لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ » . و « يستنكف » مثلها مثل « يستفهم » ، ومثل « يستخرج » . إذن فهناك مادة اسمها « نكف » ، و « النّكف » عملية حسّية تتمثل في أن يزيل الإنسان دمعة العين بأصبعه . ولنفرض أن إنسانا يعلم أن له كرامة في البيت وجاء له ظرف نفسي جعله يبكى ، فدخل عليه ابنه أو زوجته ، فهو يحاول إزالة الدمع بأصبعه . « واستنكف » معناها أزال « النّكف » . والنكف معناه أن يزيل الدمع بأصبعه . وإزالة الدمع بالأصبع تعنى أن صاحب الدمع يستكبر أن يراه أحد باكيا لأنه مقهور على أمر قد كان ، وهذه العملية لا تحدث إلا عندما يريد الإنسان أن يستر بكاءه عن أحد . وانتقلت هذه الكلمة من المعنى الحسىّ إلى أي مجال فيه استعلاء ، مثلما يستنكف إنسان أن يسير في طريق إنسان آخر ، أو أن يجلس مع آخر ، أو يجلس في مقعد أقل من مقعد آخر . ويشرح ذلك المعنى الدارج بأن المسيح لا يجد غضاضة أن كان عبدا للّه ، ولا يستكبر على ذلك بل هو يشرف به . والملائكة المقربون أيضا تشرف بهذا الأمر ، والملائكة المقربون هم الذين لا يعلمون شيئا عن هذا العالم وليس لهم عمل إلا التسبيح للّه ؛ لأنهم عرفوا العبودية للّه . وهي عبودية ليست لمن يستذل ، لكنها لمن يعزّ ، وليست عبودية للذي يأخذ ولكنها للذي يعطى . والذي يستنكف من ذلك لا يعرف قيمة العبودية للّه ؛ لذلك لا يستنكف المسيح أن يكون عبدا للّه ، ولا الملائكة المقربون . ويضيف الحق : « وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً » المستنكفون ؛ أو الذين على طريقة الاستنكاف ، ومن يشجعهم على ذلك ، كل هؤلاء يصيرون إلى جهنم .